جواب شبهة التوسل النقلية(٢)

 


السرية على الشبهات الشركية (5)

بسم الله الرحمن الرحيم…

فلا زال للقوم دليل وتعليل في التوسل يتعلقون بهما لتجويز دعاء الأموات والاستغاثة بهم.

 وقد سبق ولله الحمد في المنشور السابق بيان أن لا علاقة بالتوسل المشروع، بل ولا البدعي بتوسلهم الشركي فانظره.

وهنا يستدلون بآيتي التوسل في القرآن ويحرفون معناهما من التوسل المشروع إلى التوسل الشركي ليوافق أهواءهم ويغرّوا به أتباعهم، وهما قول الله تعالى:

في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ٣5 )} 

وقوله في سورة الإسراء: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ( ٥٧ )} 

فيزعمون بأن المراد بالوسيلة هنا هو الولي الذي يكون لهم واسطة بينهم وبين ربهم فيدعونهم ويستغيثون بهم.

والجواب هو أن الوسيلة التي شرعها الله بالتقرب إليه تناقض وسيلتهم الشركية هذه، فكيف يستدلون بوسيلة مشروعة لا تكون إلا بالتوحيد وعبادة الله وحدة، بما يناقضها من تجويز عبادة غير الله بصرف الدعاء والنذور وغيرها من العبادات لهم بزعمهم أنهم وسائط تقربهم إلى ربهم.

فهذا الزعم لا يجعل الوسيلة الشركية تصير إلى وسيلة مشروعة، فقد زعم ذلك المشركون من قبلهم فذمهم الله وجعلهم مشركين به، لأنهم صرفوا ما يستحقه وحده من العبادة والدعاء لغيره، كما حكاه الله لنا في سورتي الزمر ويونس عن المشركين فقال في سورة الزمر:{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ( ٣ )} فجعل توسلهم الشركي هذا من الكذب على الله وسماهم به كافرين، وقال في سورة يونس: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( ١٨ )}

فجعل توسلهم الشركي من مجرد اختراعاتهم، فلذا ذكر أنه لا يعلم لنفسه شريكا في العبادة يجوز دعاؤه معه، وسمى فعلهم شركا ونزه نفسه عنه سبحانه.

قال الطبري على آية الزمر: "يقول تعالى ذكره: والذين اتخذوا من دون الله أولياء يَتَوَلَّوْنَهُم، ويعبدونهم من دون الله، يقولون لهم: ما نعبدكم أيها الآلهة إلا لتقربونا إلى الله زُلْفَى، قربة ومنزلة، وتشفعوا لنا عنده في حاجاتنا" اهـ

وقال البغوي عنها:" قال قتادة: وذلك أنهم إذا قيل لهم: من ربكم، ومن خلقكم، ومن خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأوثان؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى، أي: قربى، وهو اسم أقيم في مقام المصدر: كأنه قال: إلا ليقربونا إلى الله تقريبا ويشفعوا لنا عند الله، ﴿إن الله يحكم بينهم﴾ يوم القيامة ﴿في ما هم فيه يختلفون﴾ من أمر الدين ﴿إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار﴾ لا يرشد لدينه من كذب فقال: إن الآلهة تشفع وكفى باتخاذ الآلهة دونه كذبا وكفرا" اهـ

وهؤلاء القوم لا يستطيعون أن يأتوا بعالم واحد من أهل القرون المفضلة ومن بعدهم من المتقدمين من يفسر هذه الآيات أو يستدل بها على جواز الإستغاثة بغير الله من الأموات أو دعاؤهم من دونه، وإنما يجدون التفسيرات الشركية عند الخلوف المتأخرين الذين هم مثلهم قد ضلوا الطريق كما ضلوا.


•  والوسيلة: هي التقرب إلى الله بالطريقة الموصلة إليه، وهي العمل الصالح بإجماع السلف، لأنه لا وسيلة إلى الله تعالى إلا بما شرع.

قال: بن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276هـ) في غريب القرآن:

"{الْوَسِيلَةَ} القُرْبة والزُّلْفَة. يقال: توسل إليَّ بكذا أي تقرّب". اهـ

وقال: الصاحب بن عباد (المتوفى: 385هـ) في المحيط في اللغة:

"وَسِلَ فلانٌ إلى رَبِّه وَسِيْلَةً: أي عَمِلَ قرْبَةً."اهـ

وقال الراغب الأصفهانى (المتوفى: 502هـ) في المفردات:

"الوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة وهي أخص من الوصيلة، لتضمنها لمعنى الرغبة. قال تعالى: "وابتغوا إليه الوسيلة" وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى: مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة، والواسل: الراغب إلى الله تعالى"اهـ


فالوسيلة التقرب إلى الله بوسيلة مشروعة يحبها ويرضاها، ولا تكون إلا بعبادته وحده وإخلاص العمل له، كما في قوله "واسجد واقترب" ولا تكون بوسيلة محرمة ولا شركية، فإنها تبعد عن الله وهي من أسباب مقته للعبد لا وسيلة إليه.

وأنت كما ترى البون الشاسع بل والمتناقض بين الوسيلة التي تقرب إلى الله، والوسيلة التي يدعيها هؤلاء القوم من الرافضة والصوفية الذين وقعوا في الشرك وهي التوسط بالأولياء والصالحين والتقرب بعبادتهم إلى الله بصرف الدعاء لهم والنذور وغيرها، وهذه من الوسائط الشركية التي تبعدهم عن الله وتحرمهم الوصول إليه، كما سبق بيانه، وليست من الوسيلة إليه، بل هي من شرك الذين بُعث فيهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم من اتخاذ الوسائط والشفعاء كما في آيتي الزمر ويونس الآنف ذكرها.


 ولكي تتتضح الحقيقة وينجلي الطريق لمن له عينان نذكر بعض أقوال المفسرين على آيتي المائدة والإسراء:

فمن النقول على آية المائدة { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ٣٥ )}

قال ابن الجوزي تـــ(597)هــ في زاد المسير:

"قوله تعالى: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ في الوسيلة قولان. أحدهما: أنها القربة، قاله ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، والفراء. وقال قتادة: تقربوا إليه بما يرضيه. قال أبو عبيدة: يقال: توسلت إليه، أي: تقربت إليه. وأنشد:

إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا *** وعاد التصافي بيننا والوسائل

والثاني: المحبة، يقول: تحببوا إلى الله، هذا قول ابن زيد".اهـ

وهناك قول عن ابن عباس أن المراد بها الحاجة، كما في سؤالات نافع بن الأزرق له، أي اطلبوا حاجتكم من الله، وهذا داخل في التقرب إلى الله بالعمل الصالح لأن دعاء الله من أعظم أنواع عبادته التي يتوسل بها إليه.

وقال الطبري في تفسيره لقوله تعالى "وابتغوا إليه الوسيلة":

"يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه. والوسيلة: هي الفعيلة من قول القائل: توسلت إلى فلان بكذا، بمعنى: تقربت إليه، ومنه قول عنترة: 

إن الرجال لهم إليك وسيلة ***  أن يأخذوك تكحلي وتخضبي 

يعني بالوسيلة: القربة. ومنه قول الآخر: 

إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا *** وعاد التصافي بيننا والوسائل 

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل"اهـ

وقد جاء عن قتادة: "وابتغوا إليه الوسيلة"، أي: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه.

وعن أبي وائل {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35]، قال: القربة في الأعمال.

وعن مقاتل: "يعني فِي طاعته بالعمل الصالح"اهـ

وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن: "وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ" أي القربة، أي اطلبوا، واتخذوا ذلك بطاعته، ويقال: توسلت إليه تقرّبت"اهـ

وقال السمرقندي (المتوفى: 373هـ) في تفسيره بحر العلوم:

"وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ "يعني اطلبوا القرابة والفضيلة بالأعمال الصالحة.

وقال الرازي في تفسيره:

"فكان المراد طلب الوسيلة إليه في تحصيل مرضاته وذلك بالعبادات والطاعات". اهـ

وأما تفسيرات أهل العلم على آية الإسراء: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ( ٥٧ )  }

ومعنى الآية إجمالا للتتضح: أن أولئك الذين يعبدونهم المشركون من الصالحين هم عباد أمثالهم يعبدون ربهم ويتقربون إليه بالعمل الصالح، فالأعمال الصالحة هي وسيلتهم إلى ربهم كلٌ يرجوا أن يكون بها أقرب إلى ربه، وهم سائرون إليه بين الرجاء والخوف، فهل يعقل إذن أن تعبدوا من دون الله عباد أمثالكم، بل كونوا مثلهم وتقربوا إليه بعبادته وحده ولا تجعلوا لله شركاء في عبادته.


قال الطبري في تفسيره:

"يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء المشركون أربابا ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ يقول:

يبتغي المدعوّون أربابا إلى ربهم القُربة والزُّلفة، لأنهم أهل إيمان به، والمشركون بالله يعبدونهم من دون الله" اهـ

وقال القرطبي:

"أَعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمَعْبُودِينَ يَبْتَغُونَ الْقُرْبَةَ إِلَى رَبِّهِمْ".اهـ

وقال البيضاوي (٦٨٥ هـ) في تفسيره:

"﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّها آلِهَةٌ. ﴿مِن دُونِهِ﴾ كالمَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ. ﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾ فَلا يَسْتَطِيعُونَ. ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ كالمَرَضِ والفَقْرِ والقَحْطِ. ﴿وَلا تَحْوِيلا﴾ ولا تَحْوِيلَ ذَلِكَ مِنكم إلى غَيْرِكم.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ هَؤُلاءِ الآلِهَةُ يَبْتَغُونَ إلى اللَّهِ القَرابَةَ بِالطّاعَةِ. ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ بَدَلٌ مِن واوِ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أيْ يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ مِنهم إلى اللَّهِ الوَسِيلَةَ فَكَيْفَ بِغَيْرِ الأقْرَبِ. ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ كَسائِرِ العِبادِ فَكَيْفَ تَزْعُمُونَ أنَّهم آلِهَةٌ. ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ حَقِيقًا بِأنْ يَحْذَرَهُ كُلُّ أحَدٍ حَتّى الرُّسُلَ والمَلائِكَةَ". اهـ

وقال مقاتل بن سليمان: "ثم قال يعظهم: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يقول أولئك الملائكة الذين تعدونهم يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ يعني الزلفة وهي القربة بطاعتهم أَيُّهُمْ أَقْرَبُ إلى الله درجة مثل قوله سبحانه: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ يعني القربة إلى الله- عز وجل- وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ يعني جنته نظيرها في البقرة أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ يعني جنة الله- عز وجل- وَيَخافُونَ عَذابَهُ يعني الملائكة، إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً، يقول يحذره الخائفون له. فابتغوا إليه الزلفة كما تبتغي الملائكة وخافوا أنتم عذابه كما يخافون وارجوا أنتم رحمته كما يرجون إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً". اهـ

وقال السمرقندي في بحر العلوم: "يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ، يقول: يطلبون إلى ربهم القربة والفضيلة والكرامة بالأعمال الصالحة. أَيُّهُمْ أَقْرَبُ، أكرم على الله تعالى، وأقرب في الفضيلة والكرامة". اهـ

وقال الواحدي، النيسابوري، الشافعي (المتوفى: 468هـ) في التفسير البسيط:

"والمعنى: يبتغي أيّهم هو أقرب الوسيلة إلى الله؛ أي يتقرب إليه بالعمل الصالح، ونحو هذا قال ابن عباس في قوله: {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} قال: يتقربون إلى الله بصالح الأعمال؛ فيرجون رحمته، ويريدون جنته، ويخافون عذابه". اهـ

وقال الرازي في تفسيره:

"ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ قَوْلُهُ: ﴿يَدْعُونَ﴾ فِعْلُ الآدَمِيِّينَ العابِدِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ فِعْلُ المَعْبُودِينَ ومَعْناهُ أُولَئِكَ المَعْبُودِينَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ، فَإنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ المَلائِكَةَ يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ في طَلَبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِالعَجْزِ والحاجَةِ، واللَّهُ تَعالى أغْنى الأغْنِياءِ فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَتِهِ أوْلى.

فَإنْ قالُوا: لا نُسَلِّمُ أنَّ المَلائِكَةَ مُحْتاجُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ وخائِفُونَ مِن عَذابِهِ، فَنَقُولُ: هَؤُلاءِ المَلائِكَةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّها واجِبَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها، أوْ يُقالَ: مُمْكِنَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ عِبادُ اللَّهِ ومُحْتاجُونَ إلَيْهِ، وأمّا الثّانِي فَهو يُوجِبُ القَوْلَ بِكَوْنِ المَلائِكَةِ مُحْتاجِينَ في ذَواتِها وفي كَمالاتِها إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ المَلائِكَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] وتَعَلُّقُ هَذا الكَلامِ بِما سَبَقَ هو أنَّ الَّذِينَ عَظُمَتْ مَنزِلَتُهم وهُمُ الأنْبِياءُ لا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ تَعالى ولا يَبْتَغُونَ الوَسِيلَةَ إلّا إلَيْهِ، فَأنْتُمْ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ أحَقُّ فَلا تَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ بِأنْ قالُوا: المَلائِكَةُ لا يَعْصُونَ اللَّهَ فَلا يَخافُونَ عَذابَهُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا غَيْرُ لائِقٍ بِالمَلائِكَةِ وإنَّما هو لائِقٌ بِالأنْبِياءِ.

قُلْنا: المَلائِكَةُ يَخافُونَ عَذابَ اللَّهِ لَوْ أقْدَمُوا عَلى الذَّنْبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]"اهـ


ومن أجمل ما قيل من لطائف على آية الوسيلة بسورة الإسراء ما قاله القشيري (المتوفى: 465هـ) في لطائف الإشارات: 

"يعنى الذين يعبدونهم ويدعونهم- كالمسيح وعزير والملائكة- لا يملكون نفعا لأنفسهم ولا ضرّا، وهم يطلبون الوسيلة إلى الله أي يتقربون إلى الله بطاعتهم رجاء إحسان الله، وطمعا في رحمته، ويخافون العذاب من الله ... فكيف يرفعون عنكم البلاء وهم يرجون الله ويخافونه في أحوال أنفسهم؟

ويقال في المثل: تعلّق الخلق بالخلق تعلّق مسجون بمسجون.

ويقال: إذا انضمّ الفقير إلى الفقير ازدادا فاقة.

ويقال إذا قاد الضرير ضريرا سقطا معا في البئر، وفى معناه أنشدوا:

إذا التقى في حدب واحد ... سبعون أعمى بمقادير

وسيّروا بعضهم قائدا ... فكلّهم يسقط في البير". اهـ


وختاما:

 لقد عرفنا أن الوسيلة هي القربة إلى الله والزلفى لديه، ولا يكون ذلك إلا بالعمل الصالح كما في قوله " واسجد واقترب".

وأما ما حرمه الله -وأعظم المحرمات الشرك- فإنها لا تقرب إليه بل تجعلهم مشركين به ويُحرمون بسببه الشفاعة المثبتة بشروطها.

وفي الفرق بين هاتين الوسيلتين قال أبو جعفر النَّحَّاس النحوي (المتوفى: 338هـ) في كتاب إعراب القرآن:

"والفرق بين هؤلاء وبين من توسّل بعبادة المسيح عليه السلام وغيره أن هؤلاء توسلوا وهم موحّدون وأولئك توسلوا بعبادة غير الله جلّ وعزّ فكفروا" اهـ

وقال الزجاج تـ(311) في معاني القرآن:

"فإن قال قائل: فالذي أنْكَرَ عَليهِمْ هو التوسلُ بغير عبادَةِ اللَّهِ إلى اللَّه، لأنهم قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، فالفرق بين المتوسلين إلى اللَّه

بمحبَّةِ أنبيائه وملائكته وصالحي عبادِه أنهم يتوسلون بهم مُوحِّدين اللَّهَ

عزَّ وجلَّ، لا يجعلون له شريكاً في العبادة، والكفار يتوَسلُونَ بعبادة غير اللَّه، فجعلوا الكفر وسيلَتَهُمْ".اهـ

وأما تعليلهم العليل في تجويز الاستغاثة الشركية ودعائهم الذين من دون الله فسيكون الرد عليه إن شاء الله في المنشور القادم.

وستكون آخر الجواب عن شبهة التوسل، ثم ننتقل بعدها إلى شبهة أخرى من شبهاتهم لإبطالها بإذن الله.

والحمد لله رب العالمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دليل الخلق والإيجاد

محالات العقول ومحاراتها

مقدمة جواب شبهة التوسل(١)

وجود الأدلة العقلية في الأدلة النقلية