دليل الخلق والإيجاد



الأدلة العقلية النقلية على أصول الإسلام (٢)

- أدلة وجود الله (١)


من الأدلة النقلية العقلية على وجود الله:


•  دليل الخلق والإيجاد.

وهو دليل نقلي عقلي يقيني، ومن أكثر الأدلة استعمالا عند المسلمين، وهو أن وجود المخلوقات سواء كانت ذواتا أو صفاتا، تدل على وجود خالقها، بغض النظر عن الغاية من وجودها، لأن ما وُجد بعد عدم، لا بد له من سبب لوجوده، وأن الممكن لا بد له من وجود واجب أحدثه.

وكل مخلوق دال على الخالق، لأنه أثر من آثار قدرته، "والعالَم بالفتح مثل الخاتَم: ما يعلم به؛ كما أن الخاتم ما يختم به، وهو بمعنى العالَم، ويسمّى كل صنفٍ من المخلوقات عالَمَاً؛ لأنّه عَلَمٌ وبرهان على الخالق تعالى" [النبوات، ابن تيمية] 


* وهذا الدليل يقوم على مقدمتين ونتيجة:

1-  الحوادث موجودة، ومنه هذا الكون.

2-  الحادث لا بد له من محدث مسبب.

-  إذن هناك خالق أوجد هذا الكون.

ودليل هذا من القرآن قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ} [الطور:35-36].

قال البغوي في تفسيره: "ومعناه: أخلقوا من غير شيء خلقهم فوجدوا بلا خالق؟ وذلك مما لا يجوز أن يكون، لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم، فإن أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق، ﴿أم هم الخالقون﴾ لأنفسهم وذلك في البطلان أشد، لأن ما لا وجود له كيف يخلق؟

فإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقا فليؤمنوا به، ذكر هذا المعنى أبو سليمان الخطابي" اهـ

وقال ابن كثير: "هذا المقام في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية، فقال تعالى: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ أي: أوجدوا من غير موجد؟ أم هم أوجدوا أنفسهم؟ أي: لا هذا ولا هذا، بل الله هو الذي خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا" اهـ

وقال ابن تيمية في الرد على المنطقيين: " فإن هذا تقسيم حاصر يقول أخلقوا من غير خالق خلقهم فهذا ممتنع في بداية العقول أم هم خلقوا أنفسهم فهذا أشد امتناعا فعلم أن لهم خالقا خلقهم وهو سبحانه وتعالى ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس لا يمكن أحدا إنكارها فلا يمكن صحيح الفطرة أن يدعى وجود حادث بدون محدث أحدثه ولا يمكنه أن يقول هو أحدث نفسه"


-  ودليل المقدمة الأولى:

 الحس والمشاهدة، ويكفي في إثبات حدوث العالم إثبات حدوث بعض أجزائه، وهذه طريقة القرآن -بخلاف طريقة المتكلمين الذين قالوا بوجوب إحداث كل مكون منه فقالوا بالجواهر والأعراض ونحوها، وفيه محاذير كثيرة- فيكفي مثلا إثبات أن الإنسان كان معدوما ثم وُجد، وهكذا سائر المخلوقات التي شاهدنا آحادها معدومة ثم وُجدت، وكذلك ما نراه من الأجسام التي كانت جمادا ثم حدثت فيها الحياة، وحدوث الثمار من الأشجار، والنبات من الأرض، ونحو هذه الأشياء المشاهدة دائما.

قال ابن تيمية في درء التعارض: "الطريقة المذكورة في القرآن هي الاستدلال بحدوث الإنسان وغيره من المحدثات المعلوم حدوثها بالمشاهدة، ونحوها على وجود الخالق سبحانه وتعالى، فحدوث الإنسان يستدل به على المحدث، لا يحتاج أن يستدل على حدوثه بمقارنة التغير أو الحوادث له، ووجوب تناهي الحوادث.

والفرق بين الاستدلال بحدوثه، والاستدلال على حدوثه بين.

والذي في القرآن هو الأول لا الثاني، كما قال تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} [الطور: 35]، فنفس حدوث الحيوان والنبات والمعدن والمطر والسحاب ونحو ذلك معلوم بالضرورة، بل مشهود لا يحتاج إلى دليل، وإنما يعلم بالدليل ما لم يعلم بالحس وبالضرورة.

والعلم بحدوث هذه المحدثات علم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وذلك معلوم بالحس أو بالضرورة: إما بإخبار يفيد العلم الضروري، أو غير ذلك من العلوم الضرورية.

وحدوث الإنسان من المني كحدوث الثمار من الأشجار، وحدوث النبات من الأرض، وأمثال ذلك.

ومن المعلوم بالحس أن نفس الثمرة حادثة كائنة بعد أن لم تكن، وكذلك الإنسان وغيره"اهـ


-  ودليل المقدمة الثانية التي تدل على ثمة وجود واجب أزلي هو سبب حدوث تلك الحوادث:

هو الضرورة العقلية المتمثلة في مبدأ السببية، أو ما يسمى بالسببية العامة.

وهي قضية لا تفتقر إلى البرهنة والتدليل، بل هي مسلمة ضرورية عقلية، والضرورات العقلية موضع للاستدلال بها، لا الاستدلال لها.

قال ابن تيمية في الجواب الصحيح: " أن العلم بأن المحدث لابد له من محدث، علم فطري ضروري...

ومعلوم بالفطرة التي فطر الله عليها عباده بصريح العقل أن الحادث لا يحدث إلا بمحدث أحدثه، وإن حدوث الحادث بلا محدث أحدثه معلوم البطلان بضرورة العقل وهذا أمر مركوز في بني آدم حتى الصبيان، لو ضرب الصبي ضربة فقال: من ضربني؟ فقيل: ما ضربك أحد، لم يصدق عقله أن الضربة حدثت من غير فاعل.

ولهذا لو جوز مجوز أن يحدث كتابة أو بناء أو غراس ونحو ذلك من غير محدث لذلك، لكان عند العقلاء إما مجنونا وإما مسفسطا كالمنكر للعلوم البديهية والمعارف الضرورية، وكذلك معلوم أنه لم يحدث نفسه، فإن كان معدوما قبل حدوثه لم يكن شيئا فيمتنع أن يحدث غيره فضلا عن أن يحدث نفسه"


•  والخلاصة:

   أن الانتقال من العدم إلى الوجود كحدوث العالم:

إما أن يكون بغير سبب فاعل أي من العدم، والعدم ليس بشيء، وهذا مناقض للضرورة العقلية لمبدأ السببية التي ذكرناها.

فتعين أن يكون هذا الانتقال بسبب فاعل.

وهذا الفاعل:

إما أن يكون هو الشيء نفسه، وإما غير الشيء نفسه.

والأول ممتنع قطعا، ومستحيل عقلا، لأنه يستحيل أن يتقدم الشي على نفسه ليوجده، ولا يتصور أن يحدِث الشي إلا من كان موجودا قبله.

فتعين أن يكون الانتقال من العدم إلى الوجود بفاعل هو غير الشيء نفسه، وهذا الفاعل الغير:

إما أن يكون وجوده مسبوقا بعدم، أي هو محدث أيضا.

وإما ألا يكون وجوده مسبوقا بعدم بل هو أول أزلي.

والأول باطل لأنه يرد عليه من أوجد هذا السابق الذي كان عدما، وهكذا الحال فيمن قبله وهكذا فيلزم منه التسلسل في الفاعلين المؤثرين إلى ما لا نهاية، وهذا ممتنع عقلا، من حيث تسلسل الفاعلين، وأن الخالق لا يحتاج إلى خالق، ويلزم منه عدم وجودنا الآن أصلا.

فلم يبق إلا أن هذا الفاعل الذي هو غير الشيء المخلوق، ووجوده غير مسبوق بعدم وهو الخالق الأزلي الله الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فثبت يقينا أن للكون خالقا غير مخلوق والحمد لله.


•  وهذا الدليل مما استدل به إبراهيم عليه الصلاة والسلام على النمرود الملحد كما قال تعالى:

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}] [سورة البقرة:258].

قال ابن كثير: "وكأنه طلب من إبراهيم دليلا على وجود الرب الذي يدعو إليه فقال إبراهيم: {ربي الذي يحيي ويميت} أي: الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها. وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة؛ لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. فعند ذلك قال المحاج -وهو النمروذ-: {أنا أحيي وأميت} قال قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين قد استحقا القتل فآمر بقتل أحدهما فيقتل، وبالعفو عن الآخر فلا يقتل. فذلك معنى الإحياء والإماتة. والظاهر -والله أعلم-أنه ما أراد هذا؛ لأنه ليس جوابا لما قال إبراهيم ولا في معناه؛ لأنه غير مانع لوجود الصانع. وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عنادا ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: {ما علمت لكم من إله غيري} ولهذا قال له إبراهيم لما ادعى هذه المكابرة: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} أي: إذا كنت كما تدعي من أنك أنت الذي تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلها كما ادعيت تحيي وتميت فأت بها من المغرب. فلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت أي: أخرس فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة. قال الله تعالى: {والله لا يهدي القوم الظالمين} أي: لا يلهمهم حجة ولا برهانا بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب ولهم عذاب شديد.

وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين: أن عدول إبراهيم عن المقام الأول إلى المقام الثاني انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق عبارة ردية. وليس كما قالوه بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني ويبين بطلان ما ادعاه نمروذ في الأول والثاني، ولله الحمد والمنة"اهـ


-  وكذلك استدل به موسى عليه الصلاة والسلام مع ما تضمنه من الفطرة على أشهر من عُرف بإنكار وجود الله جحودا وعنادا كما في قوله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ* قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ* قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ*قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ*قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ*قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء]

قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "فإن فرعون إنما استفهم استفهام إنكار وجحد، لم يسأل عن ماهية رب أقر بثبوته بل كان منكرا له جاحدا... فبين موسى أنه معروف عنده وعند الحاضرين وأن آياته ظاهرة بينة لا يمكن معها جحده، وأنكم إنما تجحدون بألسنتكم ما تعرفونه بقلوبكم... فلما سأل جحدا أجابه موسى بأنه أعرف من أن ينكر وأظهر من أن يشك فيه ويرتاب، فقال: {رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين}، ولم يقل "موقنين بكذا وكذا" بل أطلق فأي يقين كان لكم بشيء من الأشياء فأول اليقين: اليقين بهذا الرب كما قالت الرسل لقومهم {أفي الله شك}، وإن قلتم: لا يقين لنا بشيء من الأشياء بل سلبنا كل علم فهذه دعوى السفسطة العامة ومدعيها كاذب ظاهر الكذب، فإن العلوم من لوازم كل إنسان فكل إنسان عاقل لا بد له من علم... –إلى أن قال- فإن العقل مستلزم لعلوم ضرورية يقينية وأعظمها في الفطرة الإقرار بالخالق، فلما ذكر أولا أن من أيقن بشيء فهو موقن به واليقين بشيء هو من لوازم العقل بين ثانيا أن الإقرار به من لوازم العقل... وكلام موسى يقتضي الأمرين: إن كان لك يقين فقد عرفته وإن كان لك عقل فقد عرفته. وإن ادعيت أنه لا يقين لك ولا عقل لك فكذلك قومك فهذا إقرار منكم بسلبكم خاصية الإنسان" اهـ

والحمد لله رب العالمين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

محالات العقول ومحاراتها

مقدمة جواب شبهة التوسل(١)

وجود الأدلة العقلية في الأدلة النقلية

جواب شبهة التوسل النقلية(٢)